الشيخ الطوسي

566

العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )

فصل بين أن يكون واجبا ، أو ندبا ، أو مباحا ، وربّما استعمل ( 1 ) الفقهاء هذه اللَّفظة فيما يكون مندوبا إليه من الشّرعيّات ليفصلوا بينه وبين الواجب فيقولون : « ركعتا الفجر سنّة ، وصلاة اللَّيل سنّة ، وصلاة الغداة ( 2 ) فريضة » والأصل ما قدّمناه . فأمّا الفعل الحسن : فعلى جميع مراتبه يقع من كلّ فاعل ، قديما كان أو محدثا ، إلَّا أنّه يمنع من التّسمية في بعض الأقسام في أفعال القديم تعالى لما قدّمناه من الشرط المفقود منه . واما القبيح : فإنّه يختلف أحوال الفاعلين فيه : فالقديم تعالى لا يجوز أن يقع منه شيء من القبيح لعلمه بقبحه ، وبأنّه غنيّ عنه [ 1 ] . وأمّا الأنبياء عليهم السّلام فكذلك لا يقع منهم شيء من القبيح أصلا ( وكذا الرّسل ) ( 3 ) سواء كانوا من البشر أو من الملائكة [ 2 ] ، وكذلك حكم الأئمّة الحافظين

--> ( 1 ) استعملت . ( 2 ) في الأصل : العراة . ( 3 ) زيادة من النسخة الثّانية ، وفي الأصل : سواء كان من البشر . [ 1 ] قال المصنّف في ( الاقتصاد فيما يتعلَّق بالاعتقاد : 88 ) : « فالَّذي يدلّ على أنّه لا يفعله ( أي القبيح ) علمه بقبح القبائح ، وعلمه بأنّه غنيّ عنه ، والعالم بقبح القبيح ، وبأنّه غنيّ عنه لا يجوز أن يختاره . ألا ترى أنّ من خيّر بين الصدق والكذب في باب الوصول إلى غرضه ، وهو عالم بقبح الكذب وحسن الصدق لا يجوز أن يختار الكذب على الصّدق مع تساويهما في باب الغرض ، ولا علَّة لذلك إلَّا كونه عالما بقبح الكذب ، وبأنّه غنيّ عنه بالصّدق ، فيجب أن يكون تعالى لا يفعل القبيح لثبوت الأمرين . على أنّه لو جازت عليه الحاجة لما جاز أن يفعل القبيح لأنّه يقدر من جنسه من الحسن على ما لا يتناهى » . [ 2 ] قد اختلفت آراء المتكلَّمين حول مسألة عصمة الأنبياء عليهم السّلام وارتكابهم القبائح ، فمذهب الإماميّة هو : « أنّ أنبياء الله صلوات الله عليهم معصومون من الكبائر قبل النبوّة وبعدها ، وممّا يستخفّ فاعله من الصغائر كلَّها . وأما ما كان من صغير لا يستخفّ فاعله فجائز وقوعه منهم قبل النبوّة وعلى غير تعمّد وممتنع منهم بعدها على كلّ حال . وأمّا نبيّنا محمّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ممّن لم يعص الله عزّ وجلّ منذ خلقه الله عزّ وجلّ إلى أن قبضه ولا تعهّد خلافا ولا أذنب ذنبا على التّعمد ولا النسيان » ، وجمهور أهل السّنّة والمعتزلة والزيديّة تخالف الإماميّة ، ولهم تفصيل في هذا الباب ، وإليك خلاصة مذاهبهم كما أوردها عبد القاهر الجرجاني في كتابه ( أصول الدّين : 169 - 167 ) : « أجمع أصحابنا على وجوب كون الأنبياء معصومين بعد النبوّة عن الذنوب كلَّها ، وأمّا السهو والخطاء فليسا من الذنوب فلذلك ساغا عليهم . وقد سها نبيّنا صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في صلاته حتّى سلَّم عن الركعتين ثمّ بنى عليها وسجد سجدتي السهو ، وأجازوا عليهم الذنوب قبل النبوّة وتأوّلوا على ذلك كلّ ما حكى في القرآن من ذنوبهم ، وأجاز ابن كرّام في كتابه الذنوب من الأنبياء من غير تفصيل منه ، ولأصحابه اليوم في ذلك تفصيل يقولون : يجوز عليهم من الذنوب ما لا يوجب حدّا ولا تفسيقا ، وفيهم من يجيز الخطأ في التّبليغ ، واختلفت القدريّة فمنهم من قال : إنّ ذنوب الأنبياء خطأ من جهة التأويل والاجتهاد ولم يجوز عليهم أن يفعلوا ما علموا أنّه جنسها فأخطأ في التّأويل ، وهذا تأويل الجبّائيّ ، وقال ابنه أبو هاشم : إنّ ذلك كان ذنبا منه ، ثمّ قال أبو هاشم : يجوز عليهم الصغائر الَّتي لا تنفّر ، وقال النظَّام وجعفر بن مبشّر : إنّ ذنوبهم على السهو والخطأ ، وهم مأخوذون بما وقع منهم على هذه الجهة وإن كان ذلك موضوعا عن أممهم . وقال أصحابنا : لا معنى لدعوى القدرية عصمة الأنبياء ولا يصحّ لهم على أصولهم أن يقولوا : إنّ الله عصمهم عن شيء من الذنوب لأنّه قد فعل بهم ما فعله بسائر المكلَّفين من النّكير والعذر كلَّهما عندهم يصلح للطَّاعة والمعصية وإنّما هم عصموا أنفسهم عن المعاصي وليس لله في عصمتهم تأثير » . انظر : « أوائل المقالات : 62 ، الاقتصاد فيما يتعلَّق بالاعتقاد : 260 ، تنزيه الأنبياء للشّريف المرتضى ، الذخيرة في علم الكلام : 338 ، شرح الأصول الخمسة : 575 ، المواقف : 358 ، مقالات الإسلاميين 1 : 116 و 213 و 272 ، مذاهب الإسلاميين : 478 ، الأحكام للآمدي 1 : 145 » .